القطيف: تراث زكي العوامي

توثّق لقطة تاريخية نادرة، تعود وفقًا للتعريف المصاحب لها إلى ثمانينيات القرن الرابع عشر الهجري «ستينيات القرن العشرين»، واحدة من عمليات «تكحيل العيون» التقليدية في عين جَعْبة أو كَعْبة، المعروفة اليوم باسم «عين الكعيبة»، في بلدة الجش بمحافظة القطيف.

وتُظهر الصورة رجلين يقفان فوق منصة ممدودة على سطح الماء ومصنوعة من جذوع النخيل، يُشار إليها في الوصف التراثي باسم «الرَّكبة»، بينما يظهر غواص داخل العين لإزالة الطين والرمال والحجارة المتراكمة في قاعها، ضمن عملية شاقة كانت تهدف إلى فتح منافذ الماء واستعادة قوة تدفقه.

وحملت عملية الصيانة اسم «التكحيل» في تشبيه محلي بليغ؛ فكما يُستخدم الكحل لإبراز صفاء العين البشرية وجمالها، كان تنظيف منبع العين المائية يعيد إليها نقاءها وغزارة جريانها، لتواصل تغذية الجداول وري البساتين والنخيل.

وبحسب الروايات التراثية المحلية، كانت عملية التكحيل تُنفذ دوريًا بحسب حاجة العين، وقد تتكرر كل خمس إلى عشر سنوات، بمشاركة غواصين مهرة يجمعون بين خبرة الغوص البحري والقدرة على العمل في أعماق العيون، فيما يتولى رجال السطح رفع الرواسب بواسطة الحبال والأوعية.

وتُنسب الصورة، وفقًا للتعريف المطبوع عليها، إلى مجموعة التراثي الراحل منصور بن أحمد آل سنبل، وتُعد شاهدًا مصورًا مهمًا على أساليب صيانة الينابيع في واحة القطيف، وعلى توظيف الأهالي للمواد المتاحة في بيئتهم، وفي مقدمتها جذوع النخيل، للمحافظة على مصادر المياه.

وتكتسب عين الكعيبة أهمية زراعية موثقة؛ إذ وردت في «دليل الخليج» للوريمر عام 1908 باسم «كعبة – Ka‘abah»، مع الإشارة إلى وقوعها قرب الجش واستفادة بساتين الجش وسيهات من مياهها، ما يؤكد دورها ضمن شبكة الري التاريخية التي أسهمت في ازدهار الواحة.

كما ارتبطت العين في الذاكرة المحلية برواية تقول إن القرامطة أودعوا فيها الحجر الأسود عقب انتزاعه من الكعبة عام 317هـ، وأن اسمها اشتُق من هذه الحادثة. إلا أن تحديد العين موقعًا لإيداع الحجر الأسود لا يستند إلى دليل أثري حاسم حتى الآن؛ لذلك تظل هذه الصلة رواية تاريخية متداولة تحتاج إلى مزيد من البحث والتوثيق.

واليوم، بعد نضوب عدد كبير من عيون القطيف وتغيّر ملامح الواحة، تبقى هذه اللقطة وثيقة حيّة تستحضر مهارة الأجداد وارتباطهم العميق بالماء والأرض؛ في زمن كانت فيه «الرَّكبة» وجذوع النخيل والحبال والغواص الشجاع أدوات أساسية لحماية منبع الماء واستمرار الحياة في البساتين.

وتجدر الإشارة إلى أن النسخة المتداولة من الصورة ملوّنة ومحسّنة حديثًا، فيما بقي مضمونها التاريخي شاهدًا على واحدة من الممارسات التراثية النادرة في واحة القطيف.

المصدر والتوثيق: حساب «تراث زكي العوامي» @shebar31

📷 الصورة من مجموعة الراحل منصور بن أحمد آل سنبل.

المصدر: تراث أ.زكي العوامي