رحلة رائدٍ انتقل من العمل في مغسلة بالظهران إلى الصناعة والعمل الاجتماعي المؤسسي في سيهات
إعداد وصياغة: سامي ال مرزوق
استنادًا إلى صور وقصاصات أرشيفية نشرها الكاتب عبدالله بن عبدالرحمن المهوس عبر حسابه في منصة «إكس»

أعاد الكاتب عبدالله بن عبدالرحمن المهوس إلى الواجهة صفحات مضيئة من سيرة الراحل الحاج عبدالله بن سلمان أحمد المطرود، بعدما نشر عبر حسابه في منصة «إكس» مجموعة من الصور والقصاصات الصحفية القديمة التي توثّق محطات من مسيرته الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية.
وتكشف هذه المواد الأرشيفية قصة رجل بدأ حياته عاملًا في مغسلة ملابس بالظهران مقابل أجر شهري لا يتجاوز خمسة ريالات، قبل أن يصبح واحدًا من رواد الصناعة والعمل الاجتماعي في المنطقة الشرقية، ويرتبط اسمه بمشروعات الألبان والمخابز والمغاسل الحديثة، إلى جانب دوره المحوري في تأسيس جمعية سيهات للخدمات الاجتماعية ورعاية المحتاجين.

ومن أبرز تلك الوثائق قصاصة نشرتها جريدة «اليوم» عام 1398هـ الموافق 1978م، حملت عنوانًا لافتًا: «العامل الذي أصبح من كبار رجال الأعمال»، وتناولت تجربة الحاج عبدالله المطرود وخططه لتوسعة صناعة الألبان وتطوير الإنتاج الوطني والوصول بمنتجاته إلى مختلف مناطق المملكة وأسواق الخليج.
في قصاصة صحفية قديمة نشرتها جريدة «اليوم» عام 1398هـ الموافق 1978م، ظهر الحاج عبدالله بن سلمان أحمد المطرود متحدثًا عن مشروع صناعي جديد، وعن خطط لتوسيع إنتاج الألبان وتوزيعه داخل المملكة والوصول به إلى أسواق الخليج. حملت المقابلة عنوانًا يلخّص مسيرته: «العامل الذي أصبح من كبار رجال الأعمال».

غير أن قصة عبدالله المطرود لم تكن قصة صعود تجاري فحسب؛ فقد اقترن اسمه في ذاكرة سيهات والمنطقة الشرقية ببناء المصانع، وتوفير فرص العمل، وتأسيس العمل الاجتماعي المنظم، ورعاية الفقراء والمسنين، ودعم التعليم والرياضة والمساجد.
ابن سيهات الذي تعلم من الحياة
وُلد الحاج عبدالله بن سلمان أحمد المطرود في مدينة سيهات عام 1343هـ، في بيئة بسيطة اعتمد أهلها على البحر والزراعة. التحق في طفولته بحلقات تعليم القرآن والكتابة في زمن لم تكن فيه المدارس النظامية متاحة على نطاق واسع.
لم يحصل على تعليم أكاديمي منتظم، لكنه عوّض ذلك بالتجربة، وكثرة الاطلاع، والأسفار، وتعلّم عدد من اللغات التي ساعدته في إدارة أعماله والتواصل مع الشركات الأجنبية. وتكشف مقابلته الصحفية المنشورة عام 1978م عن شخصية عملية تتابع احتياجات السوق وتبحث عن التقنية الحديثة القادرة على تحويل الفكرة إلى مشروع منتج.
خمسة ريالات صنعت بداية الطريق
تروي سيرته أن منعطف حياته الأول جاء في أربعينيات القرن الماضي، عندما تقدم للعمل في شركة أرامكو مع عدد من رفاقه. قُبل رفاقه، بينما لم يُقبل هو لأسباب صحية. عاد إلى سيهات حزينًا، لكنه لم يسمح لتلك الخيبة بأن تنهي محاولته.

رجع في اليوم التالي إلى الظهران، ووجد عملًا في مغسلة ملابس يدوية بأجر شهري قُدّر بخمسة ريالات. كان العمل شاقًا وساعاته طويلة، لكنه منحه خبرة مباشرة في خدمة كانت مطلوبة مع توسع النشاط النفطي والعمراني في المنطقة.

بعد سنوات من الخبرة، انتقل من عامل بأجر محدود إلى صاحب مشروع صغير، ثم تعاون مع شقيقه ورفيق مسيرته الحاج إبراهيم بن سلمان المطرود في تأسيس «المغسلة الوطنية». وتصفها السيرة التوثيقية للحاج بأنها من أوائل المغاسل الأوتوماتيكية الحديثة في المنطقة الشرقية؛ إذ قدمت خدماتها لموظفي أرامكو والمستشفيات والمطاعم والمساكن، واستوعبت أعدادًا من العاملين.
لم تكن المغسلة مجرد نشاط تجاري، بل كانت المدرسة التي تعلم فيها عبدالله المطرود أن نجاح المشروع يقوم على الانضباط، ومعرفة حاجة الناس، وتقديم خدمة جديدة بجودة أفضل.
من مراقبة السوق إلى صناعة الغذاء
كان الحاج المطرود يراقب المنتجات الغذائية التي تستوردها أرامكو وتعرضها في متاجرها، فطرح سؤالًا مبكرًا: لماذا لا تُصنع هذه المنتجات محليًا؟

قاد هذا التفكير إلى تأسيس «مصنع الألبان الوطني» بالشراكة مع شقيقه إبراهيم. وارتبط المصنع بإنتاج الحليب والألبان والآيس كريم والعصائر، ثم امتد النشاط إلى إنشاء مزرعة حديثة للأبقار والاستفادة من التقنيات المتقدمة في الإنتاج والتعبئة.

وتظهر الصور التاريخية عبوات الحليب التي حملت اسم المصنع، كما توثق قصاصة جريدة «اليوم» خططه في نهاية السبعينيات لإنشاء مصنع أكبر بخطوط إنتاج حديثة، بهدف تلبية الطلب المتزايد في المنطقة الشرقية والرياض، والوصول مستقبلًا إلى أسواق الخليج.
ووصفت جريدة «الرياض» لاحقًا مصنع الألبان الوطني، المملوك لشركة عبدالله وإبراهيم ابني سلمان المطرود، بأنه من المشاريع الرائدة في صناعة الحليب ومنتجات الألبان داخل المملكة.

كما ارتبط اسمه في الذاكرة المحلية بإطلاق عربات لبيع الآيس كريم في شوارع الخبر؛ وهي صورة تختصر قدرته على نقل المنتج من المصنع إلى المستهلك بأسلوب تسويقي جديد في ذلك الوقت.

المخابز الوطنية والاستجابة لأزمة الخبز
لم يكن عبدالله المطرود ينظر إلى الغذاء بوصفه سلعة فقط، بل حاجة أساسية ينبغي تأمينها. فعندما شهدت المنطقة الشرقية شحًا في الخبز في مطلع التسعينيات الهجرية، اتجه إلى دراسة صناعة المخبوزات الحديثة، وزار عددًا من المدن للاطلاع على التجارب القائمة.

أثمر ذلك تأسيس «المخابز الوطنية»، التي افتتحت رسميًا سنة 1397هـ، وقدمت إنتاجًا آليًا واسعًا من الخبز والتوست والفطائر والمعجنات، ثم أضافت رقائق الذرة «الكورن فليكس» وغيرها من المنتجات.
وتشير مقابلة عام 1978م إلى تعاونه مع الجهات الحكومية عند الحاجة، ومن ذلك نقل الخبز إلى الرياض للمساهمة في معالجة نقص شهدته العاصمة آنذاك. وهنا يظهر جانب مهم في شخصيته: كان يرى أن مسؤولية رجل الأعمال لا تتوقف عند حدود الربح، بل تمتد إلى مساندة المجتمع وقت الحاجة.
جمعية سيهات.. تحويل الإحسان إلى مؤسسة
يبقى العمل الاجتماعي أبرز وجوه إرث الحاج عبدالله المطرود. فبحسب السجل المنشور لجمعية سيهات للخدمات الاجتماعية، تعود فكرة تأسيس «صندوق البر» في سيهات إليه، بمشاركة مجموعة من رجال المدينة ومحبي العمل التطوعي.

بدأ الصندوق من مكتب متواضع في سوق سيهات، ووضع المؤسسون له لوائح وبرامج لمساعدة الفقراء والأرامل والأيتام وكبار السن. ثم تطور العمل وسُجل رسميًا باسم «جمعية سيهات للخدمات الاجتماعية» تحت الرقم 6 بتاريخ 16 جمادى الأولى 1386هـ، لتصبح من أقدم مؤسسات العمل الاجتماعي المسجلة في المملكة.
لم يكن المطرود ممولًا بعيدًا عن الميدان؛ فالصور والذكريات المتداولة عنه تظهره وهو يزور المحتاجين ويتابع أحوالهم بنفسه. وكان يؤمن بأن مساعدة الأسرة لا تقتصر على إعانة مؤقتة، بل ينبغي أن تقود إلى التعليم والتأهيل والعمل والاعتماد على الذات.

وتوسعت الجمعية لاحقًا في رعاية المسنين وذوي الإعاقة، والخدمات الصحية، ورياض الأطفال، والمساعدات السكنية والتعليمية. وهكذا تحولت الفكرة التي بدأت في مكتب صغير إلى مؤسسة اجتماعية بقي أثرها مستمرًا بعد رحيله.
دعم التعليم والرياضة والمساجد
امتد عطاء الحاج عبدالله المطرود إلى مجالات أخرى. فقد كان من الداعمين الأوائل لنادي الخليج في سيهات، وأسهم في خدمة الحركة الرياضية ورعاية الشباب وتكريم الرياضيين.

كما دعم المبادرات التعليمية والأنشطة المدرسية، وارتبط اسمه بتأسيس «بيت الطفولة السعيدة» لرعاية الأطفال وتعليمهم. واستمر أثره التعليمي بعد وفاته من خلال «مسابقة الحاج عبدالله المطرود للمبادرات التربوية»، التي شاركت فيها مدارس محافظة القطيف.
وكان له ولشقيقه إبراهيم حضور بارز في بناء المساجد وصيانتها ورعايتها بمدينة سيهات. ومن بين المشروعات التي ارتبطت باسميهما مسجد حمزة بن عبدالمطلب، الذي افتتح بعد رحيلهما.
تكريم رسمي لمسيرة استثنائية
حظيت أعمال الحاج عبدالله المطرود بالتقدير الرسمي والاجتماعي، فنال ميدالية الاستحقاق من الدرجة الأولى في عهد الملك خالد بن عبدالعزيز، كما حصل على جائزة أمير المنطقة الشرقية لأعمال البر، تقديرًا لما قدمه في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والخيرية.

لم تكن تلك الجوائز هي ما صنع مكانته في قلوب الناس؛ فقد بقيت صورته مرتبطة بتواضعه، وقربه من المحتاجين، وإيمانه بأن المال لا يكتسب قيمته الحقيقية إلا عندما يتحول إلى مصنع يشغّل الناس، أو غذاء يصل إلى البيوت، أو مؤسسة تحفظ كرامة المحتاج.
رحيل الجسد وبقاء السنبلة
رحل الحاج عبدالله بن سلمان المطرود في يوليو 2005م بعد تعرضه لجلطة دماغية، وشيعته سيهات في موكب شارك فيه آلاف المشيعين. رحل الرجل، لكن المشروعات والمؤسسات التي شارك في بنائها واصلت أداء رسالتها.

وإذا كانت البداية خمسة ريالات حصل عليها عامل صغير في مغسلة بالظهران، فإن النهاية لم تكن ثروة أو مصنعًا أو لقبًا تجاريًا؛ كانت أثرًا ممتدًا في حياة مدينة كاملة.
كان عبدالله المطرود رجلًا أدرك مبكرًا أن الصناعة الوطنية بناء للوطن، وأن رعاية المحتاج مسؤولية، وأن العمل الخيري يصبح أكثر بقاءً عندما ينتقل من المبادرة الفردية إلى المؤسسة المنظمة.
لهذا لا تستعيد سيهات سيرته بوصفها حكاية من الماضي، بل بوصفها درسًا حاضرًا: قد يُغلق باب في وجه الإنسان، كما أُغلق باب الوظيفة أمامه، لكنه يستطيع بالإرادة والعمل أن يفتح أبوابًا للرزق والخير أمام آلاف الآخرين.
رحم الله الحاج عبدالله بن سلمان أحمد المطرود؛ رجلًا بدأ عاملًا بسيطًا، وأصبح من رواد الصناعة والعمل الاجتماعي، وترك في وطنه سنبلةً لا يزال خيرها يتجدد.


الأوسمة والدروع :
المصدر: متابعات







