غادر سالم بن خميس قريته الصغيرة في إحدى ولايات سلطنة عُمان وهو في التاسعة عشرة من عمره، لا يحمل معه سوى حقيبة بسيطة وحلم كبير بالنجاة من ضيق العيش. كان ذلك في سبعينيات القرن الماضي، يوم قرر أن يخرج إلى الغربة باحثًا عن نفسه، مقتنعًا أن الرحيل المؤقت قد يكون أقصر الطرق إلى مستقبل أفضل. لم يكن يعلم أن هذا “المؤقت” سيمتد نصف قرن كامل.

مرت السنوات ثقيلة وصامتة. لا رسائل، لا اتصالات، ولا أخبار تطمئن القلوب. كبر سالم بعيدًا عن ملامح الطفولة، وتغيرت القرية من دونه، ورحل والداه ثم شقيقه الأكبر، واحدًا تلو الآخر، دون أن يعلم بخبرهم. ومع مرور الوقت، خفّ السؤال عنه، وتحولت حكايته إلى ذكرى تُروى على استحياء، ثم إلى غيابٍ اعتادته البيوت.

قبل أيام قليلة، ظهر رجل مسنّ في أزقة القرية، يتوقف طويلًا أمام البيوت، ويتأمل الوجوه كمن يفتش عن ماضيه في ملامح الآخرين. كان يمشي ببطء، تستند خطواته على عصا، ويقوده قلبه إلى أماكن يعرفها جيدًا. سأله بعض الأهالي عمّن يبحث، فأجاب بهدوء مفاجئ: «أنا سالم… سالم بن خميس». عندها اختلط الصمت بالدهشة، وانفجرت الدموع قبل الكلمات.

في غربته الطويلة، تنقّل سالم بين أعمال شاقة ومهن متعددة، من البناء إلى الحفر والتجارة البسيطة، يصارع الحياة يومًا بيوم. هناك تزوج من امرأة تنتمي إلى عائلة معروفة بتاريخها الاجتماعي، وأنجب منها ابنته الوحيدة، التي كبرت وهو يكبر معها، فيما كانت المسافة تتسع أكثر بينه وبين أرضه الأولى.

أحد أقاربه قال إن الأسرة لم تكن تظن يومًا أن سالم ما زال على قيد الحياة، فخمسون عامًا بلا خبر كانت كافية لإغلاق باب الانتظار. لكن القدر اختار لحظة مختلفة للعودة، لحظة أربكت القرية وأعادت فتح دفاتر الذكريات دفعة واحدة.

وفي حديث خاص لصحيفة المدار، تحدّث سالم بن خميس عن عودته بعد هذا الغياب الطويل، قائلًا إن الحنين إلى الوطن كان الدافع الأقوى، وإن الشعور بأن العمر يمضي دون أن يضع نهايته في المكان الذي بدأ منه، كان يؤرقه منذ سنوات. وأوضح أن زيارته الحالية مؤقتة، وهدفها استكمال أوراقه الرسمية، تمهيدًا للعودة مرة أخيرة، لا ليغيب مجددًا، بل ليصفي أملاكه خارج البلاد ويعود برفقة أسرته ليستقر نهائيًا في قريته.

قال سالم بصوتٍ هادئ، وقد ازدحم حوله الأقارب: «خرجت شابًا أبحث عن الحياة… وعدت شيخًا أبحث عن الوطن». عبارة اختصرت خمسين عامًا من الغربة، وأعادت رسم نهاية لحكاية بدأت بالرحيل، واختارت أن تُختتم بالعودة، حيث لا شيء يعوّض الإنسان عن دفء المكان الأول، مهما طال الطريق.

كم من الغائبين نعتقد أنهم رحلوا، بينما ينتظرون فقط شجاعة العودة.