في أحد أزقة البصرة القديمة، حيث لا يطرق الصباح الأبواب بل يزحف بثقل التعب، تجلس نادية على الرصيف. عباءتها ملطخة بزيتٍ أسود، ويداها تعرفان مفاتيح الحديد أكثر مما تعرفان الراحة. لم تكن تحلم يومًا أن تصبح ميكانيكية، لكن الحياة حين ضاقت، دفعتها لتصنع لنفسها مخرجًا بيدين عاريتين.

نادية، في أوائل الخمسينيات، أم لستة أبناء. زوجها، الذي أنهكته السنوات والحروب، عاد ذات مساء بلا قدرة على العمل. لم يكن في البيت سوى الصمت وعيون صغار تنتظر الخبز. في تلك الليلة، أدركت نادية أن البكاء لن يُطعم أحدًا.

بدأت من الصفر. استعادت ما تعلمته في صغرها، حين كانت تراقب والدها وهو يُصلح الدراجات. بفكّ الإطارات، ترقيع الثقوب، ونفخ الهواء بمنفاخ يدوي، واجهت سخرية البعض ونظرات الاستغراب. لكنها صمتت… وواصلت.

احترقت يداها، تشققت أصابعها، وباعت خاتم زواجها لتشتري ماكينة هواء مستعملة. يومها بكت، لا حزنًا، بل لأن الحياة لأول مرة قالت لها: يمكنكِ الاستمرار.

لم تعد تُصلح الدراجات فقط، بل تُنقذ أرزاقًا. كانت تقول: «الدراجة هذه خبز بيت». تُمهل الفقير، وتُصلح لمن يحمل الدواء قبل أن يحمل المال. ومع الوقت، صار اسمها يُتداول في الأزقة: «روحي لنادية».

كبر الأبناء، درست ابنتها الكبرى وتزوجت، ووقف ابنها الآخر على قدميه. أما نادية، فبقيت على رصيفها، تحرس قصة كفاح لا تُصوَّر، ولا تُصفّق لها الجماهير. امرأة واحدة، في مدينة متعبة، قررت ألا تكون رقمًا في قائمة الخسارات.

في البصرة، ما زال صوت مفك نادية يعلو فوق الضجيج… شاهدًا على أن القوة لا تُقاس بالعضلات، بل بالإصرار حين يسقط كل شيء.

القصة ضمن زاوية القصص الإنسانيةصحيفة المدار