تستعيد جدة التاريخية في كل عام ملامح رمضان القديمة، حيث تمتزج روحانية الشهر الكريم بعبق التراث الحجازي في مشهد يعيد إلى الذاكرة صور الحياة الاجتماعية التي عاشت في هذه الأزقة العتيقة منذ عقود. ومع حلول الشهر الفضيل تتحول الحارات والأسواق التراثية إلى فضاءات نابضة بالحياة تستقطب الأهالي والزوار الباحثين عن تجربة رمضانية تحمل طابع الماضي بروح الحاضر.
وتتزين البيوت التاريخية بالفوانيس والأنوار، فيما تستحضر الحارات أجواء استقبال رمضان كما كانت في الماضي، حين كان الأهالي ينتظرون إعلان دخول الشهر عبر مدفع رمضان، فيعم الفرح وتبدأ الاستعدادات بشراء احتياجات الشهر الكريم من الأسواق الشعبية القريبة.
ويستذكر سكان جدة التاريخية تلك العادات التي كانت تجمع أهل الحي في أجواء مليئة بالمودة، إذ يجتمع الرجال في “المركاز” لتبادل التهاني وتبادل الأحاديث الرمضانية، فيما تتشارك الأسر الأطباق الرمضانية فيما يعرف محليًا بـ“الطُّعمة”، وهو تقليد اجتماعي يعكس روح التكافل والتراحم بين الجيران.
ومن أبرز الرموز الرمضانية التي ما زالت حاضرة في الذاكرة الشعبية شخصية المسحراتي، الذي كان يجوب حارات الشام والمظلوم واليمن قبل الفجر قارعًا طبلته ومناديًا بعباراته الشهيرة لإيقاظ الناس للسحور، في طقس ظل لسنوات طويلة جزءًا من ملامح رمضان في جدة القديمة.
وتكتمل أجواء الشهر الكريم بانتشار البسطات الشعبية التي تقدم المأكولات الحجازية المعروفة مثل البليلة والكبدة وأطباق السحور الشعبية، حيث تتحول تلك المواقع إلى ملتقى اجتماعي يجمع الزوار والأهالي وسط أجواء رمضانية مميزة.
وبعد أداء صلاة التراويح، تنبض الساحات والأزقة بالحركة مع ممارسة الألعاب الشعبية القديمة مثل الكيرم والغميضة والمراجيح، لتشكل هذه الأنشطة جزءًا من ذاكرة الطفولة التي ما زالت حاضرة في وجدان المجتمع.
كما تحتضن جدة التاريخية خلال شهر رمضان العديد من الفعاليات الثقافية والتراثية التي تشمل عروض الحرف اليدوية وورش العمل التعريفية بالموروث المحلي، إضافة إلى برامج وأنشطة مخصصة للأطفال والعائلات، في إطار جهود إبراز الهوية التاريخية للمكان وتعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بتراثهم الثقافي.
وتظل جدة التاريخية شاهدًا حيًا على استمرارية العادات والتقاليد الرمضانية التي توارثتها الأجيال، حيث يجتمع في هذا المكان عبق الماضي مع نبض الحاضر ليصنع تجربة رمضانية فريدة تعكس عمق التراث الحجازي وأصالته.








