جمال المطوع

كَمْ نَحْنُ في حاجَةٍ ماسَّةٍ وَضَرورِيَّةٍ لِفَتْحِ أَبْوابِ الحِوارِ في حَياتِنا الزَّوْجِيَّة، وَما يَنْتابُها مِنْ خِلافاتٍ وَتَوَتُّرٍ بَيْنَ آونَةٍ وَأُخْرَى، لِأَسْبابٍ مُتَعَدِّدَةِ الجَوانِبِ وَالزَّوايا، نَتِيجَةَ تَراكُماتٍ لَمْ تُمْحَ مِنْ ذِكْرَى النِّسْيان، وَالَّتي سُرْعانَ ما تَتَجَدَّدُ لِأَتْفَهِ الأَسْبابِ وَأَشَدِّها، فَيَزْدادُ التَّشابُكُ العائِلِي، مِمَّا يُوَلِّدُ اضْطِرابًا في العَلاقات، بَلْ قَدْ يَصِلُ إِلَى القَطِيعَةِ الَّتي لا يُحْمَدُ عُقْباها، وَما تُوَلِّدُهُ مِنْ نَتائِجَ عَكْسِيَّةٍ في التَّرابُطِ الأُسَرِي، وَتَأْتي هذِهِ المُنْعَطَفاتُ وَالمُسَبِّباتُ مِنْ عَدَمِ التَسَامُح والتَّنازُلِ وَالتَّغاضِي بَينَ الزَّوجَين، فَلَوْ عَرَفَ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُما واجِبَهُ وَمَسْؤولِيّاتِهِ وَالْتِزاماتِهِ إتِجاهَ الآخَر، لَما حَدَثَ هذَا الشِّقاقُ وَالنِّزاعُ وَالخِصام.

وَحَسَبَ القاعِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالعَقْلائِيَّة، أَنْ يَتَرَفَّعَ الزَّوْجُ بِتَصَرُّفاته وَسُلوكِه، فَلا يَسْكُبَ الزَّيْتَ عَلَى النَّار، حَتَّى لا تَخْرُجَ الأُمورُ عَنْ نِطاقِ السَّيْطَرَة.

هذَا مِنْ جانِبِ الزَّوج، أَمَّا مِن جِهَةِ الزَّوجَة، فَعَلَيْها كَسبُ زَوجِها بِالمَحَبَّةِ وَالمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَة، وَأَنْ تَبْتَعِدَ عَنْ إِثارَةِ النِّزاعِ وَتَضخِيمِ الأُمُور، وَأَنْ تَمِيلَ إِلَى السَّكِينَةِ وَالهُدوءِ وَالعاطِفَة، فَبِيَدِها أَن تَجْعَلَ مِن بَيْتِها عُشًّا آمِنًا مُطمَئِنًّا وَرَوضَةً يَتَخَلَّلُها أَجمَلُ مَعانِي الحُبِّ وَالمَشاعِرِ وَالأَحاسِيس الفَيّاضَةِ بِالوُدِّ وَالأُلفَةِ المُتَداخِلَةِ وَالمُتَرابِطَةِ وِجدانًا وَرُوحًا، وَأَن تَبتَعِدَ عَن إِثارَةِ المُنَغِّصات وَالعِنادِ وَجَفافِ العَلاقَةِ الزَّوْجِيَّة، النّاتِجَةِ عَنِ التَّبايُناتِ في بَعْضِ الرُّؤَى وَالإِصرارِ عَلَيْها لِلنَّكَدِ وَخَلْقِ العَقَبات، وَأَنْ تَجْعَلَ في بالِها أَنَّ لِهذِهِ المُشاغَباتِ وَالمُشاكَسات المُسْتَمِرَّةِ أَبْعادًا ذاتَ مَرْدودٍ عَكْسِيٍّ في دينِها وَدُنْياها.

وَعَلَى الزَّوْجِ كَذَلِكَ التَّأَنِّي وَالصَّبْرُ وَالتَّحَمُّلُ لِإِكْمالِ المَسِيرَةِ الزَّوْجِيَّة بِشَكْلٍ سَلِس، وَقَدْ شَخَّصَ النَّبِيُّ مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ التَّداعِياتِ النّاتِجَةَ عَنِ إرتِكابِ هذِهِ المَساوِئِ وَالنَّقائِصِ في حَقِّ مَنْ يَقُومُ بِها وَيَتَبَنّاها، حَيْثُ قالَ في حَديثٍ لَهُ:

«وَمَنْ كانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ تُؤْذِيهِ، لَمْ يَقْبَلِ اللهُ صَلاتَها وَلا حَسَنَةً مِنْ عَمَلِها، حَتَّى تُعِينَهُ وَتُرْضِيَهُ، وَإِنْ صامَتِ الدَّهْرَ وَقامَتْ، وَأَعْتَقَتِ الرِّقاب وَأَنْفَقَتِ الأَمْوالَ في سَبِيلِ الله، وَكانَتْ أَوَّلَ مَنْ يَرِدُ النّار». ثُمَّ قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه: «وَعَلَى الرَّجُلِ مِثْلُ ذَلِكَ الوِزْرِ وَالعَذاب، إِذا كانَ لَها مُؤْذِيًا ظالِمًا».

إِذًا…فَهذا إِنْذارٌ وَتَحْذِيرٌ عَلَيْنا كَأَزْواجٍ وَزَوْجات، أَنْ نَأْخُذَهُ بِعَيْنِ الِاعْتِبار، وَنَضَعَهُ ضِمْنَ مِنْهاجِ فِعالِنا وَبَرْمَجَةِ حَياتِنا الزَّوْجِيَّة، بِما يَتَوافَقُ مَعَ الشَّرْعِ المُحَمَّدِيِّ الأَصِيل وأدبِياتِنا وأخلاقِنا الَّتي لا مَناصَ مِنْها، وَنَسْعَى جاهِدِينَ

في تَفادِي كُلِّ ما يُعَكِّرُ الأَجْواءَ العائِلِيَّةَ حاضِرًا وَمُسْتَقْبَلًا.

وَاللهُ المُوَفِّق.

 

المصدر: الكاتب جمال المطوع