باسم آل خزعل
في بعض الجلسات الحوارية لا يكون الحضور مجرد مستمعين، ولا يكون المتحدث مجرد ضيف، بل تتشكل بين الطرفين مساحة من الإلهام، تتلاقى فيها التجربة مع الشغف، والأسئلة مع المعرفة، وتخرج الكلمات من حدود القاعة لتترك أثرا في نفوس الحاضرين.
هذا ما حملته الجلسة الحوارية التي استضاف فيها صندوق الامير سلطان بن عبدالعزيز التنموي بالدمام الكاتب والروائي السعودي الأستاذ أسامة المسلم، في لقاء اتسم بخفة الطرح وثراء الحوار وتنوع الأسئلة، حتى بدا الوقت وكأنه مر سريعا دون أن يشعر به الحضور.
تحدث المسلم عن الكتابة بوصفها أكثر من مجرد موهبة، موضحا أن الموهبة وحدها لا تكفي لصناعة كاتب متميز، ما لم ترافقها المهارة في التواصل مع المجتمع والقدرة على الوصول إلى القارئ وفهم اهتماماته. وفي المقابل، فإن امتلاك مهارات الكتابة دون وجود الشغف والموهبة قد يجعل القلم عاجزا عن خلق ذلك التفاعل الحقيقي مع الجمهور.
ومن بين النصائح المهمة التي قدمها للمبتدئين في عالم الكتابة، أهمية الاستفادة من تجارب الآخرين، والرجوع إلى الكتاب والروائيين وأهل اللغة والنحو، والاستماع إلى ملاحظاتهم وتوجيهاتهم، فالكتابة الصحيحة لا تأتي دفعة واحدة، وإنما تتطور مع القراءة والممارسة وكثرة المحاولة وعدم الاستسلام..
كما دعا الكاتب المبتدئ إلى ألا يجعل تفاعل الجمهور أو حجم التشجيع مقياسا لاستمراره، فالتشجيع الحقيقي يبدأ من الداخل، ومن إيمان الكاتب بما يقدمه ورغبته في تطوير أدواته. أما انتظار الإعجاب في كل خطوة فقد يجعل الكاتب أكثر عرضة للإحباط والتراجع.
وفي حديثه عن عالم السرد، تطرق المسلم إلى الفروق بين كتابة القصة والرواية، وما يميز كل جنس أدبي عن الآخر، من حيث البناء والأحداث والشخصيات والمساحة التي تحتاجها الفكرة حتى تكتمل.
ولم تتوقف ملامح الحديث عند حدود الورق، إذ كشف الكاتب عن مفاجآت قادمة تتعلق بتحويل بعض رواياته إلى أعمال سينمائية، في إشارة تفتح شهية الجمهور لمعرفة كيف ستنتقل تلك العوالم التي عرفوها بين صفحات الكتب إلى الشاشة.
كما تطرق إلى كتابة السيناريو، باعتبارها تجربة أصبحت أكثر سهولة بالنسبة إلى كاتب وروائي يمتلك أدوات السرد وبناء الشخصيات والحوار، خصوصًا حين يكون صاحب التجربة قادرا على رؤية العمل ليس فقط من زاوية الكلمات المكتوبة، وإنما من خلال المشهد والحركة والصورة.
وهنا تبدو الرحلة أكثر اتساعا، فالرواية التي تبدأ فكرة على الورق قد تتحول إلى عالم مرئي، والشخصيات التي صنعها الكاتب بالحروف قد تجد طريقها إلى الشاشة، لتصل إلى جمهور مختلف وتعيش تجربة جديدة من الحضور والتأثير.
غير أن المشهد الأكثر لفتا للانتباه لم يكن في حديث الكاتب وحده، بل كان في أحد الحضور الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره. وقف الصغير متحدثا بلباقة وطلاقة لسان لافتة، وطرح أسئلته بثقة وكأنه يخوض تجربة أكبر من سنوات عمره، مستشيرا الكاتب في الطرق التي يمكن أن تساعده على استكمال مشروعه الخاص.
كانت لحظة تختصر الكثير.
فحين يقف فتى في الخامسة عشرة أمام كاتب وروائي، ويسأله عن مشروعه وطريقه إلى المستقبل، فإننا لا نرى مجرد موهبة صغيرة، بل نرى مشروعا لإنسان قد يصنع أثرا كبيرا إذا وجد من يسمعه ويوجهه ويدعمه.
وهنا يأتي دور المؤسسات المجتمعية، التي لا ينبغي أن تكتفي بتنظيم الفعاليات، بل أن تكون مظلة حقيقية للمواهب، ونافذة يطل منها الموهوبون على فرص التعلم والتجربة والتطوير. ورعاية مثل هذه الطاقات الصغيرة ليست مجاملة عابرة، بل استثمار في الإنسان، وفي المستقبل، وفي مجتمع يؤمن بأن الموهبة حين تجد البيئة المناسبة يمكن أن تتحول إلى إنجاز.
وكان تفاعل الحضور مع الجلسة لافتا، إذ تنوعت الأسئلة والنقاشات، وكشفت عن جمهور واع ومثقف، لديه فضول حقيقي تجاه عالم الكتابة والأدب، وليس مجرد رغبة في حضور فعالية عابرة.
وفي ختام اللقاء، بدا واضحا أن الحديث لم يكن عن الكتابة وحدها، بل عن الإنسان والشغف والمثابرة والتجربة، وعن أهمية أن يجد صاحب الموهبة من يرشده في بدايات الطريق.
لقد كانت جلسة ملهمة وخفيفة، جمعت بين تجربة كاتب ناجح وأسئلة جمهور متفاعل، وفتحت أبوابا للحديث عن الرواية والسيناريو والسينما، وفي الوقت ذاته احتفت بمواهب صغيرة تبحث عن طريقها إلى المستقبل.
ولعل أجمل ما خرج به الحضور أن الكاتب لا يصنع أثره بالكلمات وحدها، بل بما يتركه خلفها من إلهام وثقة ودافع للاستمرار.
فكم من موهبة صغيرة تحتاج فقط إلى كلمة تشجيع، وكم من مشروع كبير بدأ بسؤال، وكم من قلم ينتظر من يمنحه الثقة ليبدأ الكتابة.
عوالم تكتب اليوم.. وقد تتحول غدا إلى مشاهد ترى، وقصص تروى، وأثر يبقى.

المصدر: أ.باسم آل خزعل







