جمال المطوع

لَقَدْ آلَمَنَا فِرَاقُك، وَحَزَّ فِي وِجْدَانِنَا رَحِيلُك، وَتَرَكْتَ فَرَاغًا لَا يُعَوَّض، فَالْقُلُوبُ ثَكْلَى، وَالنُّفُوسُ حَرَّى، وَلَكِنَّهَا الْمَشِيئَةُ الرَّبَّانِيَّة الَّتِي لَا رَادَّ لَهَا، وَالْقَدَرُ الْمَحْتُومُ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْه، الْمُتَمَثِّلُ بِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، وَهَذِهِ خَاتِمَةُ الْحَيَاة وَمَصِيرُهَا الْمَحْتُوم.

فَرَحِمَكَ اللهُ أَيُّهَا الْجَارُ الْمُؤْمِن، يَا أَبَا عَبْدِ الله (الْحَاج صَالح محسن الْيُوسُف)، وَذَوِيكَ رَحْمَةَ الْأَبْرَارِ الْأَخْيَار.

لَقَدْ كُنْتَ واللهِ دَمِثَ الْأَخْلَاق، لَيِّنَ الْعَرِيكَة، ذَا إبْتِسَامَةٍ عَرِيضَة، كَرِيمَ النَّفْس، حَسَنَ التَّوَاصُلِ وَالْمُعَاشَرَة، تَحْتَرِم الْجِيرَةَ وَتُقَدِّسهَا بِأَسْمَى مَعَانِيهَا، وَكَفَاكَ فَخْرًا وَشَرَفًا أَنْ تَشَبَّعَتْ وَدَرَجَتْ نَفْسُكَ الْمُؤْمِنةُ، وَصَوْتُكَ الشَّجِيّ الْحُسَيْنِيُّ الْهَوَى، فِي إلْتِفَافِ الْمُوَالِينَ وَالْمُعَزِّين، وَشِدَّةِ إِصْغَائِهِمْ وَانْتِبَاهِهِمْ إِلَى رَدَّادِيَّاتِكَ (لَطْمِيَّاتِك) الْعَزَائِيَّة، الَّتِي تُثِيرُ الْعَوَاطِفَ وَالشُّجُونَ الْوِجْدَانِيَّة، فَيَتَفَاعَلُ مَعَهَا الْجَمِيعُ حِسًّا وَإِدْرَاكًا وَشُعُورًا وَمُشَارَكَةً.

إِذًا فَلَا غَرَابَةَ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْكَ عَمِيدُ الْمُعَزِّين، وَأَنْتَ فِعْلًا أَهْلٌ لِكُلِّ ذَلِك، وَخَاصَّةً عِنْدَمَا كَانَ صَوتُكَ يَصْدَحُ وَيُنْشِدُ وَيُرَدِّدُ هَذِهِ اللَّطمِيَّات فِي كُلِّ ذِكْرَى لِمَلحَمَةِ عَاشُورَاء، رَمز التَّضحِيَة وَالْبُطُولَة، وَفِي الْمُنَاسَبَاتِ الْأُخْرَى لِأَهْلِ الْبَيْتِ عَلَيْهِمُ السَّلَام، لَهُوَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ لَا لَبْسَ فِيهِ عَلَى مَدَى الْإِتْقَانِ وَالتَّمَكُّن، الْمَمْزُوجِ وَالْمُسْتَقِرِّ بِسُوَيْدَاءِ قَلْبِكَ الْعَامِرِ بِالتَّقْوَى وَالْإِيمَان وَالإعْتِقَادِ الرَّاسِخ الَّذِي مَا تَزَعْزَعَ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّام.

وَسَتَسْتَمِرُّ هَذِهِ اللَّطْمِيَّات الْحَزِينَةُ الْوِلَائِيَّة التُّرَاثِيَّة الَّتِي أَبْدَعْتُمْ فِيهَا حَتَّى بَعْدَ رَحِيلِكُمْ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ مَشَاعِرَ فَيَّاضَة، خَالِدَةِ الْبَقَاءِ وَالْوُجُود، عَلَى أَلْسِنَةِ عُشَّاقِهَا وَمُرَدِّدِيهَا، كَبَاكُورَةٍ وَهَّاجَةٍ تَشْتَعِلُ مَعَ مَوَاسِمِ ذِكْرَاهَا وَمُنَاسَبَاتِهَا، وَكَأَنَّ شَخْصَكَ وَصَوْتَكَ الرَّنِين مَا زَالَ صَدَاهُ مَغْرُوسًا فِي الْأَسْمَاع، تَتَنَاقَلُهُ الْأَجْيَال جِيلًا بَعْدَ جِيل، هِيَامًا وَحُبًّا وَارْتِبَاطًا بِالنَّهْضَة الْحُسَيْنِيَّة الْمُبَارَكَة وَمَفَاعِيلِهَا وَتَضْحِيَاتِهَا، إِلَى أَنْ يَرِثَ اللهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا.

فَاسْمُكَ مَحْفُورٌ فِي سِجِلِّ الْخَالِدِين، كَشُعلةٍ لَا تُطفأ، فَنِمْ قَرِيرَ الْعَيْن، تَحُفُّكَ رَحَمَاتُ اللهِ وَرِضْوَانُه وَجَنَّاتُهُ وَنَعِيمُه، مَعَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الْأَطْهَار، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون.

 

 

المصدر: الكاتب جمال المطوع