الكاتب: أ. تركي مكي العجيان

حين يُذكر مفهوم الثقافة، يتبادر إلى الذهن مباشرةً مشهد القارئ المنهمك بينالصفحات، وكأنّ الثقافة لا تُولد إلا من رحم الكتاب، ولا يُمنح لقب «مثقّف» إلا لمناتّخذ القراءة رفيقًا دائمًا. ومع أنّ القراءة كانتولا تزالأحد أهم جسور المعرفة، إلاأنّ اختزال الثقافة فيها وحدها حوّلها من أفقٍ رحب إلى قالبٍ ضيّق، وأقصى أنماطًاأخرى من الوعي والتعلّم لا تقلّ أثرًا ولا عمقًا. من هنا يطرح هذا المقال سؤالًا هادئًالكنه عميق: هل يُمكن أن يكون الإنسان مثقّفًا، بلا قراءة؟

وحين نقترب من هذا السؤال، لا بوصفه تشكيكًا في قيمة الثقافة، بل محاولةً لإعادةالنظر في تعريفها، نجد أنّ الثقافة عنوان تقدّم الفرد والمجتمع، وهذا مما لا يختلف فيهاثنان. ولطالما بثّ المثقّفون والمفكّرون وذوي الرأي في المجتمع فكرةً مفادها أنالقراءة هي المنبع الأساس للثقافة، وقد أنزل الله تعالى في ذلك قرآنًا، بل إن أوّل آيةٍ منآيات القرآن الكريم نزلت على الرسول الأعظم “صلى الله عليه وآله”وفق المشهورآيةٌتأمر بالقراءة، قال تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} “العلق، 1.

وقد تغذى المجتمع بهذه الفكرةٍ حتى باتت تمثّل معتقدًا لدى الناس، مفاده أن الفردالذي لا يعتمد القراءة برنامجًا عمليًا في يومه لا يُعد من المثقّفين الذين يُشار إليهمبالبنان.

ورغم أن هذه الفكرة إيجابية وفيها جانبٌ من الصحّة، إلا أنها لا تخلوا من ثغرةٍ كبيرةٍ، إذأنّها حجّمت منابع الثقافة في منبعٍ واحدٍ فقط، وهو القراءة.

غير أن التأمل الأعمق يكشف لنا أنّ منابع الثقافة متعددة، ولا تقتصر على القراءةوحدها، وبالتالي ليس شرطًا أن يكون من لا يعتمد على القراءة اليومية يكون غير مثقّف،بل قد يكون، في بعض الأحيان، أكثر ثقافةً ممن يعتمد القراءة في برنامجه اليومي.

اليوم ومع تقدّم وسائل المعرفة، لم يعد ممكنًا حصر الثقافة في القراءة فقط، كما أنالناس بطبيعتهم يختلفون في مصادر تلقّيهم للمعلومة، فهناك من تكون القراءةمصدره الأساس، وهناك من يكون السمع مصدره الأساس، ومن هنا لا يُمكن تجاهلالدور المحوري للمصادر السمعية بوصفها منبعًا أساسًا للثقافة. ولم يقتصر الوحيالإلهي في توجيهه للإنسان على الثقافة المقروءة فحسب، بل أكّد أيضًا على قيمةالاستماع الواعي، فقال تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَهَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} “الزمر، 18“، وفي آيةٍ أخرى أشار سبحانه إشارةًضمنيّةً إلى أثر الثقافة المسموعة في الوعي الإنساني، فقال تعالى: {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةًوَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} “الحاقة، 12.

ثم إن التقدم التقني أتاح مصادر الثقافة السمعية لتكون في متناول الجميع، وبإمكانأي فردٍ يسعى لاكتساب المعرفة والثقافة أن يجد له المنبع الذي يُغذّيه بها. الثقافةالمقروءة، كذلك في الثقافة المسموعة، ينبغي للإنسان أن يُحسن اختيار ما يقرؤه أويسمعه، وأن يعي الجهة التي يتلقّى عنها.

ويؤكد خبراء التنمية البشرية أن المعلومة المقروءة تصل إلى فهم المتلقّي بنسبة 7%،بينما تصل المعلومة المسموعة بنسبة 38%، في حين تصل المعلومة المشاهدةبنسبة 55%، وهو ما يكشف أهمية الثقافة المسموعة في مقابل الثقافة المقروءة، وعنالقوّة التأثيرية للثقافة المشاهدة مقارنةً بهما.

ومن هنا نجد اليوم أن كثيرًا من المثقّفين والمفكّرين يحرصون على إنتاج مصادرمسموعة لأفكارهم وكتاباتهم إلى جانب المصادر المقروءة، إيمانًا منهم بأهمية الثقافةالمسموعة، بل إنّ كثيرًا من نتاجهم المقروء لم يكن في الأصل سوى تحويلٍ لمحاضراتٍقُدّمت مسموعةً أو مشاهدةً إلى نصوص مكتوبة.

كما أنّ تطوّر العمل الفني أسهم في تقديم الكثير من القضايا الدينية والتاريخيةوالاجتماعية في قالبٍ بصريّ، كالأفلام والمسلسلات، وهيبلا شكتوصل الرسالةإلى المتلقّي بنسبةٍ أكبر ممّا تفعله الكتب المقروءة وحدها.

وهذا لا يقدح في مكانة الثقافة المقروءة ولا في كونها منبعًا رئيسًا للثقافة، غير أنّه يفتحالأفق نحو فهمٍ أوسع لمفهوم الثقافة، بحيث لا ينحصر في جانبٍ واحدٍ دون سائرالجوانب.

ومن هنا على كل مفكّر حين يُخاطب الجماهير بعنوان الثقافة أن يضع نصب عينيه هذاالتنوع في مصادرها، كي لا يُقصي شريحةً واسعة من المجتمع تعتمد في تكوينهاالثقافي على مصادر أخرى غير القراءة.

ويُضاف إلى ذلك أن الأحداث المعاصرة التي يواكبها الإنسان لحظةً بلحظة، هي الأخرىتمثّل جانبًا معرفيًّ وثقافيًّا مهمًّا، كما أنّ التجربة الذاتية للإنسان تمثّل هي الأخرى منبعًاثقافيًا أساسيًّا، قد لا يتحقّق لغيره، وقد أشار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب “عليهالسلام” إلى هذه الحقيقة بقوله: ((وفي التَّجارِبِ عِلمٌ مُستأنَف)).

وختامًا، إنّ الثقافة، في جوهرها، تُمثّل حصيلة تفاعل الإنسان مع مصادر المعرفةالمتعدّدة التي تحيط به؛ قراءةً، وسماعًا، ومشاهدةً، وأحداثًا معاصرة، وتجربةً ذاتية. وحين نُعيد تعريف المثقّف على هذا الأساس، فإنّنا لا نُسقط قيمة القراءة، بل نُعيدهاإلى موضعها الطبيعي ضمن منظومة أوسع من الوعي. فالمثقّف الحقيقي ليس من يُكثرمن الصفحات التي قرأها، بل من اتّسعت مداركه، ونضج فهمه، وارتقى وعيه، أيًّا كانالطريق الذي قاده إلى ذلك. وهكذا يصبح «مثقّف بلا قراءة» توصيفًا لفهمٍ جديدللثقافة، لا نفيًا لها، ولا انتقاصًا من أحد منابعها.