جمال المطوع

تَجَارِبُ عَدِيدَةٌ عِشْنَاهَا بِمُرِّهَا وَحُلْوِهَا عَلَى مَسْرَحِ الْحَيَاة، مِنْهَا مَا خَلَّفَتْ وَتَرَكَتْ بَصَمَاتٍ لَا تُنْسَى مِنَ الْفَخْرِ وَالإعْتِزَاز، وَبُنْيَانِ الثِّقَةِ وَتَعْزِيزِ الْعَلَاقَةِ فِي التَّرَابُطِ وَالتَّآلُفِ مَعَ شَرَائِحَ إجْتِمَاعِيَّة، مِنْهُمْ مَنْ تَرْبِطُكَ بِهِمُ الْعَلَاقَةُ النَّسَبِيَّة، أَو الصَّدَاقَةُ الْأُخُوِيَّة، أَوْ زَمَالَةُ الْعَمَل، فَكَانُوا نِعْمَ الْعَوْنُ وَالسَّنَدُ وَالدَّعْمُ فِي أَيِّ مُشْكِلَةٍ أَوْ مُعْضِلَةٍ تُوَاجِهُهَا فِي خِضَمِّ الْأَحْدَاثِ الْمُخْتَلِفَة، مَادِّيَّةً كَانَتْ أَوْ مَعْنَوِيَّة، بَلْ هُمْ دَوَاءٌ لِكُلِّ دَاء وَالسِّتَارُ الْوَاقِي فِي حِفْظِ أَسْرَارِكَ وَشُؤُونِ حَيَاتِك، وَمَا تَمُرُّ فِيهَا مِنْ عَقَبَاتٍ أَوْ نَكَبَات لَا سَمَحَ الله، وَقَدْ أَثْبَتُوا ذَلِكَ قَوْلًا وَفِعْلاً، وَلِذَلِكَ مُنِحو الثِّقَةَ الْمُطْلَقَة وَصِدْقَ الْيَقِين.

وَعَلَى الْعَكْسِ مِنْ كُلِّ ذَلِك، وَهُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ كُنْتَ تَعْتَبِرُهُمْ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّام رُوحَكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْك، وَأَقْرَبَ النَّاسِ إِلَيْك، حَيْثُ لَا حَوَاجِزَ أَوْ عَوَائِقَ فِي كِتْمَانِ الْأَسْرَارِ أَوْ مُسْتَجَدَّاتِ الْأَخْبَار، وَفَجْأَةً وَمِنْ غَيْرِ سَابِقِ إِنْذَار، تَنْقَلِبُ تِلْكَ الْأَمَانَةُ وَالإطْمِئْنَانُ النَّفْسِي إِلَى وَاقِعٍ مُرٍّ أَلِيم بِسَبَبِ عَدَمِ تَوَافُقِ مَصَالِحِهِمْ وَرُؤَاهُمْ مَعَ حَقَائِقَ أَبْرَزْتَهَا وَكَشَفْتَهَا اخْتِبَارًا لَهُمْ وَلِمَوَاقِفِهِمْ، وَإِذَا بِكَ تَصْدِمُ أُمْنِيَّاتِهِمْ وَطُمُوحَاتِهِمْ مِنَ الْآمَال وَيَرَوْنَ فِيكَ أَنَّكَ تَقِفُ مَعَ طَرَفٍ ضِدَّ الْآخَر حَسَبَ أَوْهَامِهِمُ الْخَيَالِيَّة الْمُتَخَبِّطَة.

وَلَكِنْ مَا يُحَزُّ فِي الضَمِير أَنْ تَكْتَشِفَ ذَلِكَ مُؤَخَّرًا وَعَلَى حِينِ غَفْلَة، وَمِمَّا يَزِيدُ الْأَمْرَ سُوءًا أَنَّهُمْ أَصْبَحُوا ذَوِي وَجْهَيْنِ وَذَوِي لِسَانَيْن؛ يَتَظَاهَرُونَ مَعَكَ بِحُسْنِ الْوَجْهِ وَالْكَلَامِ الْمَعْسُول لِحَاجَةٍ فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا، فَكُلُّ غَايَتِهِمْ أَنْ يَعْرِفُوا مَا وَرَاءَ الْكَوَالِيس مِنْ خَفَايَا وَأَسْرَارٍ لَا تُجَارِي مَصَالِحَهُمْ وَمَنَافِعَهُمْ وَأَهْوَاءَهُمُ الَّتِي يُرِيدُونَهَا وَيَسْعَوْنَ إِلَيْهَا، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ يَتَظَاهَرُونَ بِالتَّوَدُّدِ وَالِانْصَاتِ إِلَيْك، لَيْسَ حُبًّا فِيك، وَإِنَّمَا لِهَدفٍ فِي نُفُوسِهِمْ، وَعَلَى حِينِ غِرَّةٍ تَكْتَشِفُ مَا وَرَاءَ الْأَكَمَة ومَا كَانُوا يُعِدُّونَهُ فِي الِاتِّجَاهِ الْمُعَاكِسِ مِنَ التَّدْلِيسِ وَالتَّضْلِيلِ وَالتَّلْفِيق ضِدَّ مَن يُخالِفهَم الرأي.

وهَؤلاء يَنْطَبِقُ عَلَيْهِمْ قَوْلُ الشَّاعِر:

لَا خَيْرَ فِي وُدِّ امْرِئٍ مُتَمَلِّقٍ
حُلْوِ اللِّسَانِ وَقَلْبُهُ يَتَلَهَّبُ

يُعْطِيكَ مِنْ طَرَفِ اللِّسَانِ حَلَاوَةً
وَيَرُوغُ مِنْكَ كَمَا يَرُوغُ الثَّعْلَبُ

فَحَذَارِ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَاف الْبَشَرِيَّةِ الْمَرِيضَة، الَّتِي تَهْدِمُ وَلَا تَبْنِي وَتُفَرِّقُ وَلَا تَجْمَع وَتَخْلُقُ بَلْبَلَةً وَاضْطِرَابًا مِنَ الْأَقَاوِيلِ وَالتَّأْوِيلَاتِ الفَارِغة المُحتَوى عَلَى الصَّعِيد الْمُجْتَمَعِيِّ لِتَفْكِيكِ تَرَابُطِهِ وَتَمَاسُكِهِ وَوَحْدَتِه وَهْدِمُ الْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةَ بِكُلِّ تَفَرُّعَاتِهَا…وَالله المُوَفِّق.

 

المصدر: الكاتب أ. جمال المطوع