جمال المطوع
نَحْنُ نَعِيش فِي زَمَنٍ كَثُرَتْ فِيهِ بَعْضُ السُّلُوكِيَّاتِ اللَّا أَخْلَاقِيَّة وَالطِّبَاعُ المُنَفِّرَة لَدَى نَفَرٍ مِنْ أَفْرَادِ المُجْتَمَع، الخَارِجَةِ عَنِ المَأْلُوف الطَّبِيعِي، وَالبَعِيدَةِ كُلَّ البُعْد عَنِ القِيَمِ الدِّينِيَّةِ الأَصِيلَةِ وَالعَادَاتِ وَالتَّقَالِيدِ العَرِيقَةِ فِي مَعَانِيهَا السَّامِيَةِ وَفِي أَهْدَافِهَا الرَّفِيعَة، الَّتِي كُنَّا وَمَا زِلْنَا نَعْتَزُّ وَنَفْتَخِرُ وَنَعْتَدُّ بِهَا، وَنَجْعَلُهَا مِنَ الأَسَاسِيَّاتِ الرَّئِيسِيَّةِ المُسْتَنَدِ إِلَيْهَا فِي وَاقِعِنَا المَعَاش، وَنُحَافِظُ عَلَى بَقَائِهَا وَنَعَضُّ عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذ، لِمَا لَهَا مِنْ تَأْثِيرٍ إِيجَابِيٍّ فَعَّال وَوَجْهٍ حَضَارِيٍّ مُمَيَّزٍ عَلَى حَيَاتِنَا وَعَلَاقَاتِنَا العَامَّة، فِي إِطَارٍ مِنْ خِلَالِ الخِصَالِ المَحْمُودَةِ وَالطَّبَائِعِ المَحْبُوبَة وَالمَرْغُوبَة فِي تَثْبِيتِ دَعَائِمِ التَّوَاضُعِ وَالوَدَاعَةِ وَاللِّينِ وَالبَسَاطَة فِي التَّوَاصُلِ وَالتَّعَامُلِ الإِنْسَانِي وَذَمِّ التَّعَالِي وَالغُرُورِ وَالكِبْرِيَاء، كَمَا جَاءَ وَفْقَ المَفْهُومِ القُرْآنِيِّ الكَرِيمِ فِي سُورَةِ لُقْمَان عِنْدَمَا قَال:
﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾
وَهِيَ إِرْشَادَاتٌ وَتَعَالِيم تَوْجِيهِيَّةٌ رَبَّانِيَّةٌ تُبَيِّنُ لَنَا وَتُسَاعِدُنَا فِي رَسْمِ مَنْهَجٍ شَفَّافٍ وَوَاضِحٍ فِي مُحَارَبَةِ الأَخْلَاقِ الشَّاذَّةِ وَالمُسْتَهْجَنَة، رَغْمَ مَا نُوَاجِهُ مِنْ عَقَبَاتٍ وَتَحَدِّيَاتٍ وَعُقَدٍ تَرَاكُمِيَّة كَانَتْ وَمَا زَالَتْ حَجَرَ عَثْرَةٍ وَخَلَلًا فِي إِبْرَازِ الآثَارِ الإِيجَابِيَّة وَالمَنْطِقِيَّة لِلْمَفْهُومِ المُجْتَمَعِي وَالطَّبَقِي لَدَى فِئَةٍ مِنَ النَّاسِ الَّتِي لَا زَالَتْ تَتَشَبَّثُ بِصِفَاتٍ ذَمِيمَةٍ وَمَشِينَةٍ كَالتَّكَبُّرِ وَالفَوْقِيَّة، حَيْثُ إِنَّ هَاتَيْن الصِّفَتَيْن تَتَشَابَهَانِ فِي الأَثَر، وَتَخْتَلِفَان فِي الدَّوَافِع
حَسَبَ التَّعْرِيفِ اللُّغَوِي وَالاصْطِلَاحِي، فَالتَّكَبُّرُ يَعْنِي: إسْتِصْغَار الآخَرِينَ وَاحْتِقَار الحَقِّ.
أَمَّا الفَوْقِيَّةُ فَتَعْنِي: الشُّعُور بِالاسْتِعْلَاء وَالتَّمَيُّزِ الكَاذِب عَلَى مَنْ هُمْ حَوْلَك، وَمَا زَالَ صِغَارُ النُّفُوس وَعَدِيمُو الإِحْسَاس مِنَ الَّذِينَ غَلَبَتْ عَلَيْهِمْ شِقْوَتُهُمْ يُمَارِسُونَ هَذِهِ الصِّفَاتِ المَكْرُوه فِعْلُهَا وَالذَّمِيمَةَ خِصَالُهَا بِكُلِّ صَلَفٍ وَغَطْرَسَةٍ وَغُرُورٍ وَإحْتِقَارٍ وَتَهْوِينٍ بِالآخَرِين، الَّذِينَ لَا حَوْلَ لَهُمْ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا الصَّبْرُ وَالسَّكِينَةُ وَالتَّضَرُّعُ إِلَى الله جَلَّتْ قُدْرَتُه، أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُمْ مِمَّنْ هَدَرَ كَرَامَتَهُمْ وَأَضَاعَ احْتِرَامَهُمْ وَهَيْبَتَهُمْ أَمَامَ الآخَرِين، وَالعَجَبُ كُلَّ العَجَب أَنَّ أُولَئِكَ المُتَعَجْرِفِينَ فِي تَكَبُّرِهِمْ وَاسْتِعلَائِهِم المُصْطَنَع نَسُوا أَوْ تَنَاسَوْا أَنَّ نَشْأَتَهُمْ فِي هَذِهِ الحَيَاة المُتَلَوِّنَة تَبْدَأُ مِنْ نُطْفَةٍ (مَاءٍ مَهِينٍ)، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ السَّجْدَة:
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾.
وَتَعنِي أَنَّ أَصلَ تَكْوِينِ العُنْصُرِ البَشَرِي مِنْ أَمْشَاجٍ مُخْتَلِطَةٍ مِنَ الخَلَايَا المُذَكَّرَةِ وَالأَمْشَاجِ المُؤَنَّثَة، وَيَبْتَدِئُ ذَلِكَ مِنْ نُطْفَةٍ ضَعِيفَةٍ وَحَقِيرَةٍ فِي نَظَرِ البَشَر، وَلَيْسَتْ ذَاتَ قِيمَةٍ ذَاتِيَّةٍ قَبْلَ أَنْ يُنْفَخَ فِيهَا الرُّوحُ وَتَتَطَوَّرَ بِقُدْرَةِ الخَالِق.
وَآخِرُ وُجُودِهِمْ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الفَانِيَة تَتَحَلَّلُ أَجْسَامُهُمْ وَتُصْبِحُ جِيفَة، وَقَدْ وَصَفَ إِمَامُ البَلَاغَةِ وَالفَصَاحَة، الإِمَامُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَام وَصْفًا دَقِيقًا لِهَؤُلَاءِ المُتَكَبِّرِين عِنْدَمَا قَالَ:
«عَجِبْتُ لِمُتَكَبِّرٍ، كَانَ أَمْس نُطْفَةً، وَهُوَ غَدًا جِيفَة».
إِذًا، لِنَأْخُذ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا عُنْوَانًا نُعِيدُ فِيهِ صِيَاغَةَ حَيَاتِنَا بِشَكْلٍ يَتَوَافَقُ وَمَصِيرِنَا المَحْتُومَ وَآثَارِهِ وَتَفَاعُلَاتِه وَالبُعْد عَمَّا يُكَدِّرُ الخَوَاطِرَ وَيُزْعِجُهَا، وَخَاصَّةً النَّأْيَ بِأَنْفُسِنَا عَنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ جُبِلَتْ أَنْفُسُهُمْ عَلَى تَبَنِّي الفَوْقِيَّةِ وَالغُرُور وَالتَّكَبُّرِ نَهْجًا وَأُسْلُوبًا فِي تَصَرُّفَاتِهِمْ وَأَفْعَالِهِمُ الشَّائِنَة.
أَجَارَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ تِلْكَ السَّلْبِيَّاتِ المَمْقُوتَة…وَاللهُ وَلِيُّ التَّوْفِيق.
المصدر: أ.جمال المطوع







