بقلم: الإعلامي حسام النصر

نتذكر غالبًا من أساء إلينا، ونستطيع بعد سنوات أن نستعيد تفاصيل موقف جرحنا، وكلمة آلمتنا، وحقًا شعرنا أنه سُلب منا، وربما نتذكر حتى نبرة الصوت وملامح الوجه والمكان الذي حدث فيه كل شيء.

لكن السؤال الأصعب الذي لا نطرحه على أنفسنا بالقدر ذاته هو: هل نتذكر من أسأنا نحن إليهم؟

قد تكون مررت في حياة إنسان وتركْت فيها جرحًا ثم مضيت، بينما بقي هو يحمل أثر ذلك الموقف. وقد تكون كلمة قلتها في لحظة غضب نسيتها بعد دقائق، لكنها استقرت في قلب صاحبها سنوات. وربما كان هناك حق أخّرته، أو وعد لم تفِ به، أو قرار اتخذته وأنت تملك سلطة لم يكن يملكها الطرف الآخر.

وهنا تكمن خطورة الظلم؛ فليس بالضرورة أن يكون حدثًا كبيرًا نراه جميعًا ونشير إليه بأصابعنا. أحيانًا يبدأ الظلم من كلمة، أو استهانة، أو استعلاء، أو استغلال حاجة إنسان، أو الانتقاص منه أمام الآخرين، أو حرمانه من حق يستطيع صاحبه رده إليه لكنه لا يفعل.

وقد يعتقد البعض أن انتهاء الموقف يعني انتهاء أثره.

وهذا غير صحيح.

هناك مواقف تنتهي في دقائق، لكن آثارها تعيش سنوات.

وهناك من يخرج من حياتك بصمت، لا يخاصمك، ولا يواجهك، ولا يطالبك بشيء. قد تظن أنه نسي أو تنازل، بينما الحقيقة أنك لا تعرف ماذا بقي في قلبه، ولا ماذا يقول عنك حين يكون وحده بين يدي الله.

فاحذر دعوة المظلوم التي لا تسمعها.

فالإنسان يستطيع أن يغلق بابًا في وجه إنسان، لكنه لا يستطيع أن يغلق أبواب السماء. ويستطيع بمنصبه أو ماله أو نفوذه أن يجعل شخصًا عاجزًا عن مواجهته، لكنه لا يملك أن يمنعه من الدعاء.

ومن أكثر الأشياء التي تستحق المراجعة أن يسأل كل واحد منا نفسه: هل استخدمت يومًا قوتي في غير موضعها؟ هل ظلمت موظفًا لأنني كنت مسؤولًا عنه؟ هل جرحت إنسانًا لأنني كنت أعرف أنه لن يرد؟ هل أخذت حقًا ليس لي؟ هل أخّرت مستحقًا وأنا قادر على أدائه؟ هل أسأت إلى شخص ثم أقنعت نفسي بأن الأمر بسيط ولا يستحق الاعتذار؟

الإنسان بارع أحيانًا في إيجاد الأعذار لنفسه.

نبرر غضبنا، ونبرر كلماتنا، ونبرر قراراتنا، وقد نعيد صياغة الحكاية داخل أذهاننا حتى نخرج منها أبرياء تمامًا.

لكن الحقيقة لا تتغير لأننا أجدنا تبريرها.

والحقوق لا تسقط لمجرد أننا نسيناها.

لذلك، من أجمل الشجاعة أن يراجع الإنسان حساباته مع الناس كما يراجع حساباته مع نفسه. أن يعود إلى شخص أساء إليه ويقول ببساطة: أخطأت في حقك، سامحني. وأن يعيد حقًا تأخر، أو يصلح ضررًا تسبب فيه، أو يعتذر عن كلمة يعرف في داخله أنها تجاوزت حدودها.

لا تجعل الكِبر يمنعك من الاعتذار، ولا المكانة تمنعك من الرجوع عن الخطأ، ولا مرور السنوات يقنعك بأن الوقت قد فات.

ربما يكون اتصال واحد كافيًا لإغلاق باب ظل مفتوحًا لسنوات.

وربما تكون كلمة «سامحني» أثقل على لسانك من كلمات كثيرة، لكنها أعظم أثرًا في قلب شخص ينتظرها.

ورد الحقوق لا ينتقص من مكانة الإنسان، بل يرفعها. والاعتذار الصادق ليس ضعفًا، وإنما قوة لا يملكها إلا من استطاع الانتصار على نفسه.

نحن جميعًا نخطئ، وقد نظلم دون أن ندرك حجم ما فعلنا، لكن الفرق الحقيقي يبدأ عندما نعرف الخطأ ثم نقرر ماذا سنفعل بعد معرفته.

وفي زحام الحياة، لا تجعل اهتمامك بمن ظلمك ينسيك البحث عمن ظلمته أنت.

فتّش في ذاكرتك قليلًا.

بين زملاء العمل، والأصدقاء، والأقارب، والجيران، ومن عملوا تحت إدارتك، ومن مروا في حياتك ثم ابتعدوا عنها.

ربما هناك شخص يستحق منك اعتذارًا.

وربما هناك حق ينتظر أن يعود إلى صاحبه.

وربما هناك قلب تستطيع اليوم أن تزيل منه أثر موقف مضى عليه سنوات.

لا تنتظر حتى يصبح الاعتذار مستحيلًا، أو يصبح رد الحق متأخرًا، أو تبحث عن إنسان فلا تجده.

قبل أن تسأل: من ظلمني؟

قف مع نفسك لحظة، واسأل السؤال الأصعب والأكثر صدقًا:

من ظلمت أنا؟

فإن وجدت اسمًا في ذاكرتك، فلا تؤجل.

أعِد الحق، اعتذر، وأصلح ما أفسدت ما دمت قادرًا على ذلك.

فبعض الديون تُسدَّد بالمال، وبعضها لا يحتاج سوى كلمة صادقة، وبعض الحقوق قد ينساها صاحبها..

لكن الله لا ينسى.

المصدر: الإعلامي أ.حسام النصر