تقرير خاص | سامي ال مرزوق -المدار نيوز

لم تعد الكافيهات مجرد وجهة لاحتساء القهوة أو لقاء عابر بين الأصدقاء، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى فضاءات اجتماعية متعددة الوظائف، تجمع بين العائلة والعمل والترفيه والدراسة، فيما يصفه خبراء الاجتماع بـ”المكان الثالث” (Third Place)، وهو المكان الذي يقع بين المنزل والعمل ويمنح الأفراد مساحة للتواصل والاسترخاء والانتماء المجتمعي. ويعد هذا المفهوم، الذي طرحه عالم الاجتماع الأمريكي راي أولدنبورغ، أحد أبرز الاتجاهات التي تشكل الحياة الحضرية الحديثة.

من “مقهى” إلى مركز للحياة اليومية

تؤكد دراسات حديثة أن المقاهي أصبحت عنصرًا رئيسيًا في المدن الحديثة، إذ لم يعد دورها يقتصر على تقديم المشروبات، بل أصبحت بيئات اجتماعية تعزز جودة الحياة، وتدعم الاقتصاد المحلي، وتوفر مساحات للقاءات العائلية والعمل عن بُعد والأنشطة الثقافية، بما يسهم في تعزيز الترابط المجتمعي.

ويرى باحثون أن ازدياد الاعتماد على الكافيهات جاء نتيجة تغير أنماط المعيشة، وارتفاع وتيرة العمل، والحاجة إلى أماكن مرنة تجمع بين الراحة والإنتاجية، خصوصًا بعد جائحة كورونا التي أعادت تشكيل مفهوم المساحات العامة.

أوروبا وأمريكا.. متنفس عائلي واجتماعي

في العديد من المدن الأوروبية والأمريكية، أصبحت الكافيهات امتدادًا للحياة المنزلية، حيث تقصدها العائلات بشكل شبه يومي لتناول الإفطار أو قضاء أوقات الأطفال، فيما صُممت كثير من المقاهي لتضم زوايا للعب، ومساحات هادئة للعمل، وجلسات طويلة تشجع على البقاء والتفاعل الاجتماعي.

كما تشير تقارير اجتماعية إلى أن المقاهي لعبت دورًا في الحد من العزلة الاجتماعية بعد الجائحة، وأصبحت نقطة التقاء للعاملين عن بُعد، والطلاب، والأسر، والمتقاعدين، بما يعزز الصحة النفسية والشعور بالانتماء للمجتمع.

آسيا.. مكاتب متنقلة وتجارب اجتماعية

وفي دول آسيوية مثل سنغافورة وهونغ كونغ وتايلاند، تطورت الكافيهات إلى مساحات هجينة تجمع بين العمل والترفيه، مع انتشار مفهوم Hybrid Spaces الذي يدمج بين المقاهي، ومساحات العمل المشتركة، وورش العمل، والفعاليات المجتمعية.

كما أصبحت بعض الكافيهات تستضيف لقاءات ثقافية وأنشطة صحية، بعيدًا عن النمط التقليدي للمقاهي، ما جعلها جزءًا من الاقتصاد الإبداعي في المدن الكبرى.

السعودية.. الكافيهات جزء من التحول الاجتماعي

في المملكة العربية السعودية، شهد قطاع المقاهي نموًا متسارعًا خلال السنوات الأخيرة، مدعومًا بمستهدفات رؤية السعودية 2030، وازدياد الإقبال على القهوة المختصة، وتوسع العلامات المحلية والعالمية.

وتشير تقارير السوق إلى أن المقاهي في المملكة لم تعد تقتصر على كونها وجهات للترفيه، بل أصبحت أماكن للدراسة، والاجتماعات، والعمل الحر، واللقاءات العائلية، مستفيدة من التصاميم الحديثة، وخدمات الإنترنت، والأنشطة المصاحبة، وهو ما أسهم في ترسيخ ثقافة جديدة للمقاهي بين مختلف الفئات العمرية.

كما أبرزت تقارير رسمية التحول الذي تشهده المقاهي الثقافية في المملكة، موضحة أنها أصبحت منصات للقراءة، والفعاليات، واللقاءات الشبابية، ودعم المشروعات الصغيرة، بما يعزز جودة الحياة وينشط الاقتصاد المحلي.

دراسة سعودية: المقاهي تعيد تشكيل الفضاء الحضري

وتوصلت دراسة علمية نشرتها Ain Shams Engineering Journal عام 2025 إلى أن ثقافة المقاهي في المملكة تجاوزت دورها التقليدي، وأصبحت عنصرًا مهمًا في تنشيط الفضاءات العامة، وتعزيز التماسك الاجتماعي، ودعم الاقتصاد الحضري، مؤكدة أن التخطيط العمراني بات ينظر إلى المقاهي كجزء من البنية الاجتماعية للمدينة وليس مجرد نشاط تجاري.

كما تناولت دراسة صادرة عن جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل عام 2026 البعد الاجتماعي للمقاهي، موضحة أنها أصبحت تسهم في بناء الهوية الاجتماعية والتفاعل بين الأفراد، خاصة لدى الشباب، في ظل التحولات الثقافية والرقمية المتسارعة.

تحديات تواجه الظاهرة

ورغم هذا التحول، تواجه الكافيهات تحديات متزايدة، أبرزها:

  • الجلوس الطويل الذي يقلل من دوران الزبائن.
  • ارتفاع تكاليف التشغيل والإيجارات.
  • المنافسة الكبيرة بين العلامات التجارية.
  • ضرورة تحقيق التوازن بين توفير بيئة مريحة والمحافظة على الجدوى الاقتصادية.

تجمع أغلب المؤشرات المحلية والعالمية على أن الكافيهات لم تعد مجرد وجهة ترفيهية أو مكان لاحتساء القهوة، بل أصبحت جزءًا من أسلوب الحياة في المدن الحديثة، تؤدي دورًا اجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا متناميًا. وفي المملكة، يعكس هذا التحول تغيرًا في أنماط الحياة، حيث باتت المقاهي تمثل متنفسًا يوميًا للعائلات والشباب، ومساحة تجمع بين الراحة والعمل والتواصل، في انسجام مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 الهادفة إلى تعزيز جودة الحياة وتنمية المدن الحيوية.

المصدر: بحث مقالي