كان اعتزال ليونيل ميسي بعد تتويجه بكأس العالم في قطر عام 2022 سيمنحه نهاية مكتملة الأركان، فقد حقق الحلم الأكبر في مسيرته وغادر القمة في ذروة المجد. إلا أن قراره بمواصلة المشوار حتى كأس العالم 2026 قاده إلى ابتلاع هدية مسمومة. اختار الانتقال إلى إنتر ميامي وابتعد عن نسق المنافسة الأوروبية، وهو خيار رآه كثيرون أقل تحديًا من الاستمرار في القارة العجوز. هذا المسار منحه راحة بدنية، وغرس في الوقت نفسه قناعة بإمكانية بلوغ مجد جديد عبر طريق أقل وعورة.
جاءت البطولة حاملة ظروفًا خدمت المنتخب الأرجنتيني في مراحلها الأولى. أوقعت القرعة منافسين بعيدين عن الصف الأول عالميًا، وتزامنت مع قرارات تحكيمية أثارت جدلًا واسعًا. هذا المشهد منح خصوم ميسي مساحة كبيرة للتشكيك في عدالة المنافسة، ورسخ شعورًا بأن البطولة فقدت جزءًا من صورتها النقية. تعدد الوقائع المثيرة للجدل صنع رواية موازية للنتائج، ورسخ الشكوك في أذهان قطاع واسع من المتابعين.
وامتد الجدل إلى سلوك المنتخب الأرجنتيني داخل الملعب. ارتفع منسوب التوتر، وتصاعدت الخشونة، وتكررت الاحتجاجات والاستفزازات. هذه المظاهر صنعت انطباعًا متزايدًا لدى شريحة واسعة من المتابعين والإعلام الرياضي بأن المنتخب خسر المعركة الأخلاقية قبل خسارة الكأس. ومع استمرار التساهل التحكيمي في نظر كثيرين، تراجعت مساحة التعاطف مع المنتخب، وأحاطت به هالة سلبية انعكست على صورة قائده وإنجازه الفردي.
وفي خضم هذه الأجواء، واصل ميسي التأكيد أن اهتمامه ينصب على الفريق، بينما كرست التغطية الإعلامية معظم اهتمامها لأهدافه الثمانية وأرقامه القياسية. هذا التناقض بين الخطاب والرواية الإعلامية غذّى شعورًا بأن صناعة الأسطورة تجاوزت حدود الأداء داخل الملعب. وتحولت المقارنات مع بيليه ومارادونا ورونالدو إلى قضية محسومة في نظر كثيرين، وتحولت البطولة إلى منصة تتويج أخيرة لبطل واحد.
وجاء النهائي أمام إسبانيا ليحمل الامتحان الحاسم. انتهى أثر القرعة، وانتهى تأثير الضجيج الإعلامي، وبدأت المباراة بلغة كرة القدم وحدها. فرض المنتخب الإسباني شخصيته منذ الدقائق الأولى، وأحكم سيطرته على مجريات اللقاء، وعزل ميسي عن مصادر الخطورة، ومنع الأرجنتين من صناعة فرص حقيقية. ثم جاء طرد إنزو فيرنانديز ليضاعف معاناة المنتخب، قبل أن يحسم فيران توريس النتيجة بهدف منح إسبانيا اللقب، وأغلق صفحة الرواية التي رفعت ميسي فوق حدود النقد.
خرج ميسي من البطولة بصورة مغايرة للصورة التي سعى إلى ترسيخها في ختام مسيرته الدولية. ظهر قائدًا مهزومًا لفريق فقد جانبًا كبيرًا من تعاطف الجماهير بسبب سلوكه داخل الملعب. وترسخ في أذهان كثيرين أن الطريق الميسر والجدل التحكيمي والخشونة المتكررة أضعفت القيمة المعنوية للإنجاز، مهما بلغت قيمة الموهبة الفردية.
وسيواصل كثيرون اعتبار ميسي أحد أعظم لاعبي التاريخ، مستندين إلى رصيده الاستثنائي وإنجازاته الممتدة عبر سنوات طويلة. وفي المقابل، يحمل هذا المونديال سؤالًا سيبقى حاضرًا في الذاكرة الرياضية. كم أسهمت الظروف المحيطة في صناعة الرواية التي رافقت هذا المشوار؟
لقد ابتلع ميسي الهدية المسمومة. منحته طريقًا أقصر نحو حلم جديد، وبخطفة مباغتة انتزعت منه الصورة التي أرادها لوداع اللعبة. حملت الخسارة معنى يتجاوز ضياع الكأس، ورسخت جدلًا سيبقى حاضرًا كلما عاد الحديث إلى الفصل الأخير من مسيرته الكروية.

المصدر: الكاتب والناقد:محمد العباس







