تركي مكي العجيان

في عالم التكنولوجيا، يُعرَّف جدار الحماية(Firewall) بأنه نظامٌ أمنيّ قد يكون برنامجًا أو جهازًايقف كحارسٍ ذكيّ بين الشبكة والعالم الخارجي. ووظيفته ليست المنع الأعمى، بل المراقبة والتمييز واتخاذ القرار، لحماية المنظومة من الاختراقات والبرمجيات الخبيثة ومحاولات التجسس والتلاعب بالبيانات.

وحين نتأمّل هذا المفهوم، ندرك أنه لا يخصّ الأجهزة الرقمية وحدها؛ فكل منظومةٍمعقّدةمهما كان نوعهابحاجةٍ إلى جدار حماية. والإنسان، بما يواجهه من ضغوطٍومؤثّراتٍ ومعلوماتٍ متدفّقة، ليس بعيدًا عن هذا التشبيه.

بيوغرافيا التكوين الإنساني

خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وجعل تكوينه قائمًا على ثلاثة أبعاد: البعدالبيولوجي، والبعد الوجداني، والبعد الروحي. وقد أمضى الإنسان قرونًا طويلة فيدراسة بعده البيولوجي، وما يزال كثيرٌ منه مجهولًا رغم التقدّم الهائل في العلوم.

أمّا البعدان الوجداني والروحي فهما أعمق من أن يُدركا بالكامل؛ إذ لا يُهتدى إلىحقيقتهما إلا بالرجوع إلى الوحي الإلهي، ثم بالسير في طريق الوعي لفهم أثرهما فيحياة الإنسان.

وبما أنّ العلم بالروح قد استأثر الله تعالى به، يبقى أمامنا البعد الوجداني بوصفهالمجال الأقرب للفهم والعمل؛ مجالًا يمكن أن نتلمّس ملامحه، ونبني وعيًا حقيقيًالاستثماره، ليكون ركيزةً في بناء حياةٍ متوازنة وفاعلة في واقعنا المعاصر.

وقد جعل الله تعالى البعد الوجداني قائمًا على ثلاث ركائز: العقل، والنفس، والقلبالوجداني. فالعقل هو ذلك النور الإلهي المودَع في الكيان الإنساني، وظيفته تمييزالصواب من الخطأ، وتبيان الطريق حين تلتبس المسارات. وأما النفس فهي الصورةالحقيقية للإنسان، ومركز رغباته وميوله وغرائزه، وما تنطوي عليه من نوازع قوةٍوضعف. وأما القلب الوجداني فهو إمام النفس، وقائد القرار، الذي إليه ترجع الكفّة فيالنهاية، فهو إما أن يستجيب لنور العقل أو ينحرف مع رغبات النفس.

جدار الحماية الإنساني .. تحت المجهر

يعيش الإنسان ضمن نسيجه الاجتماعي؛ يؤثّر فيه ويتأثّر به، ولا يستطيع أن يفصل ذاتهعن محيطه، فقد خلقه الله تعالى اجتماعيًّا بطبعه، وأصبح ارتباطه بمحيطه أمرًا حتميًا.

وضمن هذا الارتباط، يجد الإنسان نفسه في مواجهة سيلٍ من الأفكار والتوجّهاتوالإغراءات؛ بعضها يرتقي بذاته، وبعضها قد يجرّه إلى هاوية الهلاك.

عند هذه النقطة، لا يجد الإنسان مفرًّا من أن يُحصّن نفسه بجدار حمايةٍ متين، يقيوجدانه مما قد يتسلّل إليه من مؤثّراتٍ تُضعفه أو تُربكه.

ومن هنا نضع جدار الحماية الإنساني تحت المجهر، لنكشف عمقه ودوره في حمايةالإنسان من الانحدار.

وقد تناولتُ هذه الفكرة بتفصيلٍ سابق في كتابي كيمياء الذات، تحت عنوان التناغمالوجداني. غير أنني أطرحها هنا من زاويةٍ مختلفة، بعد أن تبيّن لي أن تحقيق التناغمالوجداني يمثّل في جوهره درعًا واقيًا للإنسان، وجدار حمايةٍ يحول بينه وبين ما قديتسلّل إلى ذاته من مؤثّراتٍ مُضعِفة.

وكما يسعى الإنسان إلى حماية جسده من الأخطار التي تؤذيه، فإن جانبه الوجداني لايقلّ أهمية، إن لم يكن أشدّ حساسية وتأثّرًا.

وفي المقال القادم أطرح خلاصة ما جاء في ذلك الباب، بعد إعادة صياغته ضمن هذا الإطار.