جمال المطوع

الإِنْسَانُ يحتوي على كُتْلَةً مِنَ المَشَاعِرِ وَالأَحَاسِيس الفياضة الَّتِي تَخْتَمِرُ فِي وِجْدَانِه، وَمَتى ما تَعَرَّضُ شَخْصُهُ او نفسيته إِلَى كَلَامٍ جَارِحٍ أَوْ سُلُوكٍ خَاطِئٍ أَوْ تَصَرُّفٍ مَشِينٍ مِنْ بَعْضِ المُحِيطِينَ بِه، يؤجج عواطفه و يوقِعُهُ فِي حَرَجٍ بَالِغٍ يَنْعَكِسُ عَلَى قَسَمَاتِ وَجْهِهِ مِنَ الاِنْزِعَاجِ وَعَدَمِ الرِّضَا، وَقَدْ يَصِلُ الأَمْرُ به إِلَى الانفعال ويتخذ قرارا بقَطْعِ العَلَاقَاتِ الأَخَوِيَّةِ وَالوِدِّيَّةِ وَيَسُودُ الجَفَاءُ بَيْنَ القُلُوب، خَاصَّةً إِذَا جَاءَتْ مِنْ بَعْضِ الأَحِبَّةِ او نفر من الأَصْدِقَاء مِمَّا يُعَكِّرُ اجْوَاءَ العلاقات وَيُؤَدِّي إِلَى فَقْدَانِ الاِحْتِرَامِ المُتَبَادَل، وَيُضْفِي مُنَاخًا مُكَهْرَبًا قَدْ يَقُودُ إِلَى مَا لَا يُحْمَدُ عُقْبَاهُ مِنَ التَّلَاسُنِ وَالتَّشَاحُنِ وَالفِعْلِ وَالفِعْلِ المُضَاد فِي ظِلِّ التَّوَتُّرَاتِ وَالتَّأَزُّمَاتِ بَيْنَ الطَّرَفَيْن، وتَأتِي هذهِ التّدَاعِيات نَتِيجَة تَصَرُفات كان مُمكِن تَفادِيها بِأسلُوبٍ رَاقٍ وَمُتَحضِر عُنوانِه القَول الحَسِن في إختِيار ألطَف الألفَاظ وأعذَب العِبَارَات لسوء فهم حاصل وعلى العكس من ذلك قَد تَخرُج الأمُور عَن مسارها الطبيعي لها.

وَ مِن هُنَا يَقْتَضِي الوَاجِب وَالمَأْمُول تَفْكِيكَ هَذِهِ التَّجَاذُبَات، وَحَثَّ الخُطَى مِنْ أَهْلِ الحِكْمَةِ وَالتَّعَقُّلِ وَالرَّصَانَةِ الفِكْرِيَّةِ لِلتَّدَخُّلِ الفَوْرِي فِي تَهْدِئَةِ الأُمُور بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَة، وَخَلْقِ مِسَاحَةٍ مِنَ المُلَاطَفَةِ وَتَبْرِيدِ الاِنْفِعَالَات، وَالتَّرْكِيزِ عَلَى رُوحِ التَّسَامُحِ وَالتَّغَاضِي، هَذَا مِنْ جَانِب، وَمِنْ جَانِبٍ آخَر، عَلَى المُخْطِئِ فِي نَفْسِ الوَقْتِ ضَبْطُ النَّفْسِ عَلَى إِيقَاعٍ مِنَ الاِتِّزَانِ الكِيمْيَائِي والاخلاقي وَعَدَمُ التَّسَرُّعِ فِي أَحْكَامِه وَالتَّرَوِّي مُسْتَقْبَلًا لِتَفَادِي هَذِهِ الإِشْكَالَات الَّتِي غَالِبًا مَا تَأْتِي نَتِيجَةَ لَبْسٍ وَشُكُوكٍ لَيْسَ لَهَا مِنَ الوَاقِعِ فِي شَيء.

وبالتوازي يَتَحَتَّمُ عَلَى الطَّرَفَيْنِ حَثُّهُمَا بِالتَّعَالِي عَلَى الجِرَاح، وَالرُّجُوعِ إِلَى مَنْطِقِ العَقْلِ وَالحِكْمَةِ وَالرَّوِيَّة، وَالسَّيْطَرَةِ عَلَى رَدَّاتِ الفِعْلِ وَإمْتِصَاصِ الغَضَب، وَأَنْ يَسُودَ الحِلْمُ وَالأَنَاةُ وَالصَّبْرُ فِي مِثْلِ هَذِهِ المَوَاقِفِ الطَّارِئَة، لِأَنَّ الإِحرَاجَ العَلَنِيَّ أَمَامَ النَّاسِ يكون أَشَدُّ وَقْعًا وَأَلَمًا عَلَى مَنْ يَعْنِيهِ الأَمْرُ وَيَخُصُّه.
وفي هذا الشأن
قَالَ رَسول الله(صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): «مَنْ أَحْزَنَ مُؤْمِنًا ثُمَّ أَعطَاهُ الدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَفَّارَتَهُ وَلَمْ يُؤْجَرْ عَلَيْه».

التَّحْذِيرُ مِنْ إِيذَاءِ المُؤْمِن: وَرَدَ فِي الكَافِي وَغَيْرِهِ أَحَادِيثُ مُشَدَّدَةٌ تُعْتَبَرُ أَنَّ إِحْرَاجَ المُؤْمِنِ أَوْ هَتْكَ حُرْمَتِهِ أَوْ إِدْخَالَ الأَذَى وَالضَّغِينَةِ إِلَى قَلْبِهِ يُعَدُّ ذَنْبًا عَظِيمًا، مِثْلُ قَوْلِهِمْ (عَلَيْهِمُ السَّلَام): «مَنْ آذَى مُؤْمِنًا فَقَدْ آذَانِي».

مِنْ هُنَا عَلَيْنَا الحَذَرُ ثُمَّ الحَذَرُ مِنْ إِحْرَاجِ المُؤْمِنِ كَيْ لَا نَتْرُكَ مَجَالًا لِلْوُقُوعِ فِي فَخِّ الضَّغِينَة، وصعوبة الموقف لِتَتَصَافَى القُلُوبُ قَلْبًا وَقَالَبًا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا، حَيْثُ لَا مَكَانَ لِلْبَغْضَاءِ وَالضَّغِينَةِ فِي نُفُوسِنَا… وَاللهُ المُوَّفِّق.

المصدر: الكاتب : جمال المطوع